سهيل زكار

479

تاريخ دمشق

فارس ، تصل إليه مع مقدم يعول عليه ، وقد كانوا عاهدوا الأفرنج أن يكونوا يدا واحدة على من يقصدهم من عساكر المسلمين ، فاحتج عليه ، وغولط ، فلما عرف ذلك رحل ونزل بمرج يبوس وبعض العسكرية « 1 » بيعفور ، فلما قرب من دمشق ، وعرف ما بها خبره ، ولم يعلموا أين مقصده ، وقد راسلوا الأفرنج بخبره وقرروا معهم « 2 » الإنجاد عليه ، وكانوا قد نهضوا إلى ناحية عسقلان لعمارة غزة ، ووصلت أوائلهم إلى بانياس ، وعرف نور الدين خبرهم ، فلم يحفل بهم ، وقال : لا أنحرف عن جهادهم ، وهو مع ذلك كاف أيدي أصحابه عن العيث والإفساد في الضياع ، وإحسان الرأي في الفلاحين والتخفيف ، والدعاء له مع ذلك متواصل من أهل دمشق وأعمالها ، وسائر البلاد وأطرافها ، وكان الغيث قد انحبس عن حوران والغوطة والمرج حتى نزح أكثر أهل حوران عنها للمحل واشتداد الأمر ، وترويع سربهم ، وعدم شربهم ، فلما وصل إلى بعلبك اتفق للقضاء المقدر ، والرحمة النازلة أن السماء أرسلت عزاليها ، بل وابل وطل وانسكاب وهطل ، بحيث أقام ذلك منذ الثلاثاء الثالث من ذي الحجة سنة أربع وأربعين إلى مثله ( 167 ظ ) وزادت الأنهار ، وامتلأت ، برك حوران ، ودارت أرحيتها ، وعاد ما صوح « 3 » من الزرع والنبات غضا طريا ، وضج الناس بالدعاء لنور الدين ، وقالوا : هذا ببركته وحسن معدلته وسيرته . ثم رحل من منزله بالأعوج ونزل على جسر الخشب المعروف بمنازل العساكر « 4 » في يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وأربعين ، وراسل مجير الدين والرئيس ، بما قال فيه : إنني ما قصدت بنزولي هذا المنزل طالبا لمحاربتكم ، ولا منازلتكم ، وإنما دعاني إلى هذا

--> ( 1 ) خارج دمشق تعرفان بهذين الاسمين . ( 2 ) في الأصل « معه » . ( 3 ) صوت النبات إذا يبس وتشقق . النهاية لابن الأثير . ( 4 ) في الأصل « العاسر » وهو تصحيف قوم من الكواكب الدرية : 134 .